العدالة الانتقالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

arabic

“العدالة الانتقالية في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا”، تقرير مركـز الدراسـات الدوليـة والإقليميـة العربي الموجز رقم ١٦ (الدوحة، قطر: مركـز الدراسـات الدوليـة والإقليميـة، ٢٠١٨).

ألقت الاحتجاجات التي اندلعت في بعض بلدان الشرق الأوسط ابتداءً من ديسمبر 2010 بظلالها على المشهدين السياسي والاجتماعي في المنطقة. فقد أزيح بن علي في تونس ومبارك في مصر والقذافي في ليبيا عن مناصبهم واحداً تلو الآخر في غضون أشهر قليلة، رغم أن ذلك لم يكن يخطر ببال أحد. وحتى يومنا هذا، شهدت مصر وليبيا وتونس واليمن إزاحة قادتها الأقوياء، والتهمت نيران الحرب الأهلية المستمرة سوريا، وهز العنف والصراع البحرين، كما تعرضت بلدان أخرى في المنطقة إلى الاضطراب والتعبير عن الغضب الشعبي بدرجات متفاوتة. دول الشرق الأوسط هذه مازالت تشهد عمليات تحول سياسي وتغيير اجتماعي. وتعتمد الصيغة السياسية التي ستتشكل في نهاية المطاف في كل دولة على سياقها وجدولها الزمني. وسيبقى مجهولاً إن كانت أنظمة وهياكل حوكمة مختلفة تمام الاختلاف ستحل محل سابقاتها أم لا. ولكن، يمكن القول مع شيء التأكيد إن مفهوم حقوق المواطنين بالعدالة والكرامة كان موضوعاً مشتركاً يجسّد كل هذه النضالات والاحتجاجات الجماهيرية الحاشدة، ويعبر عنها على مستوى المنطقة بأكملها. وغالباً ما تتعامل المجتمعات التي تمر بمرحلة تحول من أنظمة حوكمة قديمة إلى جديدة، ولاسيما المجتمعات التي أطاحت بأحد أشكال الحكم الاستبدادي، مع قضية التصالح مع الماضي قبل أن تتمكن فعلياً من بناء مستقبل جديد. وتبيّن التجارب التي حدثت في مناطق أخرى من العالم، حيث أطاحت الحركات السياسية بأنظمة الحكم الديكتاتورية أن بناء سلام قابل للاستمرار في أوضاع ما بعد الحرب يستلزم أن يكون المواطنون واثقين من وجود الهياكل الشرعية التي تعوّضهم عن الظلم الذي لحق بهم في الماضي. لقد برزت أهمية مفهوم إدارة العدالة أثناء فترة التحول السياسي في بناء السلام، التي أطلق عليها عموماً اسم “العدالة الانتقالية”، في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولكنها اكتسبت زخماً كبيراً ابتداءً من ثمانينات القرن العشرين وما تلاها.