إعادة التفكير في تصنيفات الهجرة من منظور الجنوب العالمي – ورشة العمل الثانية (افتراضيًا)
في يومي 24 و25 أغسطس 2026، استضاف مركز الدراسات الدولية والإقليمية (CIRS) في جامعة جورجتاون في قطر ورشة العمل الثانية ضمن مبادرته البحثية «إعادة التفكير في تصنيفات الهجرة من منظور الجنوب العالمي». وعُقدت الورشة افتراضيًا، وتمحورت حول مسودات الأوراق البحثية التي قدمها المشاركون في المشروع، بهدف تقديم ملاحظات معمقة وبنّاءة تسهم في تعزيز كل مساهمة بحثية.
استُهلت الورشة بعرض قدمته زهرة بابار لورقتها البحثية بعنوان «ما الذي يكشفه الخليج عن الحوكمة الليبرالية وغير الليبرالية للهجرة». وتتناول بابار في دراستها حوكمة الهجرة في منطقة الخليج، مع تركيز خاص على ما يُعرف بتأشيرة «آزاد» التي لم تحظَ بالقدر الكافي من الدراسة، وذلك بهدف تحدي الافتراض السائد بأن هشاشة أوضاع المهاجرين تنبع أساسًا من طبيعة النظام
السياسي؛ أي الافتراض القائل إن الدول السلطوية «غير الليبرالية» تنتج أنظمة هجرة استغلالية، بينما توفر الديمقراطيات الليبرالية الإدماج وفرص الحصول على الجنسية في نهاية المطاف.
ولا يتمثل سؤال بابر البحثي الأساسي في ما إذا كانت حوكمة الهجرة ليبرالية أو غير ليبرالية، بل في كيفية توفيق جميع الدول، بصرف النظر عن طبيعة نظمها السياسية، بين اعتمادها على العمالة المهاجرة وبين مساعيها للحد من عضويتهم السياسية. ومن خلال استخدام الخليج بوصفه حالة مولِّدة للنظرية، تجادل بابار بأن الغموض القانوني، ومرونة سوق العمل، وتفاوت الأوضاع القانونية ليست ظواهر استثنائية مرتبطة بالسلطوية الخليجية، بل تعكس أنماطًا عالمية أوسع في إدارة الحركة والتنقل
وتُظهر تأشيرة «آزاد» نموذجًا من «اللا رسمية المُدارة»، أي ترتيبًا تنتجه الدولة نفسها. وترى الدراسة أن الإصلاح ينبغي ألا يفترض أن الحصول على الجنسية هو الغاية النهائية للمهاجر، بل تدعو إلى إعادة التفكير في الهجرة المؤقتة طويلة الأمد من خلال مفاهيم الأمن والاستقلالية والقدرة على التنقل بدلًا من افتراض التقارب الحتمي مع النموذج الديمقراطي الليبرالي.
في الجلسة التالية، قدّم فيصل غاربا محمد ورقة بعنوان «الهجرة الأفريقية والنظرية: نقد وبدائل»، انتقد فيها نظريات الهجرة السائدة، ومنها النظريات الكلاسيكية الجديدة، ونظرية سوق العمل المزدوج، ونظرية النظم العالمية، والمقاربات القائمة على الشبكات، باعتبارها نتاجًا لسياقات الهجرة الغربية.
ويرى أن هذه النظريات لا تلائم السياق الأفريقي بصورة جيدة، إذ غالبًا ما يجري تطويع البيانات لتناسب نظريات جاهزة بدلًا من بناء النظرية انطلاقًا من الواقع الأفريقي. وتتمثل حجته الأساسية في أن الأطر القائمة تغفل التصورات الأفريقية لمفاهيم الإقليمية، والهوية المرنة، والانتماء، وهي تصورات تشكلت تاريخيًا بفعل أنماط التنقل قبل الاستعمار، ومقاومة الحكام السلطويين، ووجود عضويات سياسية متعددة ومتزامنة، قبل أن يعيد الاستعمار تثبيت الهويات الإثنية ضمن أقاليم محددة.
واستنادًا إلى إطار رودني حول التبعية، يجادل محمد بأن دراسات الهجرة ما زالت محكومة بعدم مساواة عالمية في إنتاج المعرفة، حيث تحدد مؤسسات الشمال أجندات البحث حول «أزمات» المهاجرين بدلًا من التركيز على الوقائع الأفريقية أو أنماط الهجرة بين بلدان الجنوب.
كما يستعين بحثه بنقد نسوي، موضحًا كيف أن برامج التكيف الهيكلي ونظريات التنمية السائدة تحجب الأبعاد الجندرية والجماعية للحركة والتنقل. وبوجه عام، يدعو محمد إلى إنهاء الطابع الاستعماري لنظرية الهجرة من خلال وضع المعارف الأفريقية، والخصوصية التاريخية، والمفاهيم الجماعية والنسوية للحركة في قلب التحليل، بدلًا من الاعتماد على النماذج الموروثة من الشمال.
بعد ذلك، تناولت ورقة آشيش كارن بعنوان «النظم البيئية للمهاجرين: الهوية وصناعة المكان والفاعلية بين المهاجرين النيباليين في الدوحة» موضوع الهجرة في الخليج.
ويطرح كارن مفهوم «النظم البيئية للمهاجرين» باعتبارها عوالم اجتماعية واقتصادية ورمزية مترابطة ينتجها المهاجرون من خلال ممارساتهم اليومية، وذلك بديلًا عن التحليلات التي تركز على المعاناة وحدها وتسلط الضوء حصريًا على الاستغلال والإقصاء القانوني.
واستنادًا إلى عمل ميداني إثنوغرافي بين المهاجرين النيباليين في الدوحة خلال عامي 2022–2023 و2026، يتساءل كارن عما إذا كانت التصنيفات المستخدمة في إدارة الهجرة ودراستها، ولا سيما الجنسية، تتوافق فعلًا مع التمييزات التي يحافظ عليها المهاجرون أنفسهم في حياتهم اليومية.
وتخلص الورقة إلى أن ذلك ليس هو الحال؛ إذ إن أنماط التفاعل اليومية بين المهاجرين النيباليين لا تُنظم بحسب الجنسية، بل وفق الانقسام الإثني-الإقليمي بين الباهادي والمادهيسي، وهو حد فاصل يصنعه المهاجرون أنفسهم ويعيدون إنتاجه باستمرار.
وتتناول الدراسة هذه الظاهرة من خلال ثلاث عمليات مترابطة: الهوية والانتماء، وصناعة المكان، والفاعلية. وهذه العمليات تنشأ من التقارب والتفاعل لا من الانفصال، كما أنها تتسم بتراتبية داخلية بدلًا من أن تكون جماعية متجانسة.
والهدف الأوسع للورقة هو إحداث تحول مفاهيمي في دراسة الهجرة الخليجية، بحيث يُنظر إلى المهاجرين بوصفهم فاعلين اجتماعيين ينتجون المعنى والتسلسل الهرمي بأنفسهم، لا أن يُختزلوا فقط في هشاشتهم القانونية.
أما ورقة بريندا يوه، ومادلين شتلر، وثيودورا لام بعنوان «دولة الهجرة التنموية واستراتيجياتها في التصنيف والسيطرة: حالة سنغافورة»، فتتناول سنغافورة بوصفها نموذجًا لما يسمى «دولة الهجرة التنموية»، حيث تعطي سياسات الهجرة الأولوية للتنمية الاقتصادية الوطنية، والتجديد الديموغرافي، والاستقرار الاجتماعي، بدلًا من المعايير الليبرالية القائمة على الحقوق.
وتبحث الورقة في كيفية استخدام الدول التنموية لعملية التصنيف نفسها باعتبارها أداة للحوكمة بهدف السيطرة على السكان المهاجرين من دون منحهم فرص الاستقرار الدائم أو الجنسية.
ويجادل المؤلفون بأن النظام السنغافوري متعدد المستويات والمعقد، الذي يصنف المهاجرين بحسب المهارة، والراتب، والجنسية، والمهنة، يمثل نموذجًا لما يمكن وصفه، وفق المنظور الفوكوي، بـ «السيطرة التصنيفية»، حيث تُقسَّم مجموعات المهاجرين وتُرتب ويُفرض عليها الانضباط وفقًا لقيمتها الاقتصادية المتصورة.
وعلى خلاف دول أخرى في شرق آسيا، مثل اليابان وتايوان، التي بدأت في تخفيف القيود على مسارات الحصول على الإقامة الدائمة، تحافظ سنغافورة على حدود صارمة ومضبوطة عرقيًا بين المواطنين وغير المواطنين من خلال إطارها التصنيفي المعروف بـ الصينيين-الملايو-الهنود-الآخرين (CMIO).
وتحدد الورقة أربع استراتيجيات رئيسية للسيطرة التصنيفية:
التراتبية القائمة على المهارات، والتدرج في المؤقتية، والتحكم في الانتقال بين الفئات، وتقليص «المناطق الرمادية» القانونية، وتقدم سنغافورة بوصفها حالة نموذجية لحوكمة الهجرة ذات الطابع التنموي.
وفي الجلسة الأخيرة، تناولت ورقة بايال بانيرجي بعنوان «تشكيل الوضع الموثق: التأشيرات والعمل المرن والأنظمة القانونية المرتبطة بالوضع وتراجع الحقوق» أوضاع العاملين الهنود في قطاع تكنولوجيا المعلومات في الولايات المتحدة الحاصلين على تأشيرات H-1B.
وتتحدى بانيرجي الافتراض القائل إن «الوضع الموثق» ليس سوى حقيقة قانونية ثابتة مرتبطة بحيازة تأشيرة سارية. وتسأل دراستها عن كيفية تشكل هذا الوضع في التجربة الحياتية الفعلية للمهاجرين، بما يتجاوز قانون الهجرة ذاته.
وتجادل بأن الوضع القانوني للمهاجر يتشكل من خلال تفاعل قواعد التأشيرات مع أنظمة العمل المرنة، مثل التعاقد من الباطن، والاعتماد على صاحب العمل، وفترات «الانتظار» دون تكليف، والمنظومات القانونية، بما فيها تقليص الحماية القضائية وأنظمة التحكيم الإلزامي. وعلى الرغم من أن هذه العوامل تقع من الناحية الفنية خارج إطار سياسة الهجرة، فإنها تؤدي دورًا حاسمًا في تشكيل هشاشة أوضاع المهاجرين.
وبالاستناد إلى 25 عامًا من المقابلات، توضح بانيرجي كيف أن حاملي تأشيرات H-1B، رغم تمتعهم رسميًا بحماية قانونية في العمل، يواجهون ضغوطًا من أصحاب العمل، والتلاعب بالأجور، وعدم استقرار السكن، والعوائق أمام الوصول إلى المحاكم، إلى جانب تفاقم أوجه الهشاشة بسبب عوامل الطبقة الاجتماعية التقليدية (الطائفة) والنوع الاجتماعي.
وتؤكد الورقة أن الوضع القانوني الموثق هو بناء سياسي واقتصادي وقانوني، وليس حقيقة بديهية أو ثابتة، وتدعو إلى تحليل وضع المهاجر من خلال تجربته الحياتية والسياقية، بدلًا من الاعتماد على التصنيفات القانونية الثنائية الجامدة.
ويهدف مركز الدراسات الدولية والإقليمية (CIRS) إلى نشر هذه المجموعة من الأوراق البحثية في عدد خاص من إحدى الدوريات الأكاديمية.
- للاطلاع على جدول أعمال مجموعة العمل، اضغط هنا.
- للاطلاع على السير الذاتية للمشاركين، اضغط هنا.
- اقرأ المزيد عن هذه المبادرة البحثية.
المشاركون والمناقشون
- زهرة بابار
- بايال بانيرجي
- مصباح بهاتي
- مريم داود
- بينا فرنانديز
- فيصل غاربا
- نور حسين
- آشيش كارن
- سوزي ميرغاني
- صابرين طه
- بريندا إس. إيه. يوه، زميلة الأكاديمية البريطانية (FBA)